الاثنين، 21 مارس 2011

كفريوفال / إبل القمح

قفْ في رحابهمُ وأقرأْ من العِبَرِ
ما ليس تقرأه في سالف السِّيَرِ
هو انتحارٌ، حياةٌ منه قد بَزَغَتْ
ملءَ الحياة فيا مجداً لمنتحرِ
من "كفر يوفال" "إبل القمح" طالعةٌ
ووجهها يعربيُ اللحظ والثَّغَرِ
تَنْقَضُّ فيها صقور البعث أربعة
هم القضاءُ وحكم الصارم القدرِ

من أين يأتون، من أي القرى عبروا
"بيريز" ذنبكَ هذا غير مُغْتَفَرِ
يأتون من أين؟ من كل الجهاتِ أتوا
من التواريخ، من بوابة العُمُرِ
من كل حبة قمحٍ في الجليل أ َتوا
تشتاقُ طعمَ زُنودِ الفتية السمُرِ
من كل حبة ريحٍ ظامئً عبرت
ليل الحدود وشمّت لوعة الشجر

يأتون من أين؟ من أحزان أرملة
وجوع طفل، ومن حقلٍ بلا ثَمَرِ
يأتون من "أعين الرمانِ" راعفةً
من كل "زعتر تلٍ" فارعٍ عَطِرِ
يأتون من أضلع "الباص" الذي وُلِدَتْ
منه بداية فجر بالشموس ثَرِي
من البطولات في "الشياح" تكتبها
أزقة الفقر في آيٍ وفي سُوَرِ

من أين يأتون؟؟؟
قل يأتون من غضبِ التاريخِ
من سِفره المشحونِ بالعِبَرِ
"بيريز" ذاك رصاصُ البعث تعرفُه
ضلوعُ موتاك، سل موتاك في الحُفَرِ

فيوم "طيبة" ماذا لقيتَ من البعثِ العظيمِ
سوى الخسران والكدَر
ثلاثةٌ من صقور البعث خرَّ على
أقدامهم مجدك الخاوي ولم يَدُرِ
في روعِ جُندِك أن البعث في خَلَدِ الجنوبِ
في جفنهِ المسكون بالسَّهَرِ
حتى تلقفكَ الأبطال ظامئةً
بنادق منهم للثأر والظَّفَرِ

"كفركلا" وتهاوت عند أخمصها
أسطورةٌ، وانتهى عهدٌ من الذُّعُرِ
"كفركلا" وشبابُ البعثِ يحرسها
تعصى على الغزو، تلوي ساعد النَّمِرِ
"كفركلا" قلعةُ البعث التي شَمَخَتْ
تقتاتُ أجفانُها السمراء بالشررِ

يا أختَ بغداد،
بنت البعث يا علماً لوحدة الجرح
ملء السمع والبصر
ما ضرَّ عينيكِ من أضغاثِ من حلِموا
عيناك والبعث مثل العطر والزَّهَرِ

ويومَ تشرين
إذ كانت دمشقُ على مرمى الرصاص وقلبُ العرب في خَطَرِ
أتتكَ بغدادُ باسم البعث زاحفةً
فارتدَّ كيدك مدحوراً على النَّحَرِ
هي العروبةُ في أعناقِنا ذِممُ ترعى
وليست لموتورٍ و ذي وطرِ
رِفاقَنا في الدروبِ الحمر، يا شعلاً
والضوءُ لولا احتراق فيه لم يُنِرِ
عهداً من البعث إن تمضي مسيرتُنا
وأن تحيكَ دمانا راية الظَّفَرِ

التسميات: , , , , , ,

رسالة إلى رغيف

مولاي ...
باسم الشعب أُقرِئك السلام
أين ارتحلت فما يراك الناس إلا في المنام؟
أو هل صحيح أنك استُدعيت مخفوراً لمؤتمر السلام
وصلبت فوق المقعد الخالي للبنان النظام؟
ورفضت حتى أن تشارك في الكلام؟

يا سيدي ...
أدري بأن القلب منك معذب شاكٍ
وإنك لا تُلام كما نُلام
مولاي ...
يوجعني شقاك، ضياع وجهك فوق مأدبة اللئام.

أمس التقيتُك في الشوارع
كنت خلف الواجهات، وكان يحرسك الجنود.
غافلتهم ومددت كفي للسلام ... فعاجلوني بالقيود
حوكمتُ بالجرم الخطير: "تسللٌ عبر الحدود"
وحُكِمتُ بالسجن المؤبد. كيف لا؟
و "الاقتصاد الحر" قد نقل الحدود من الحدود
جعل الحدود مع الرغيف هي الحدود
وأقام ما بيني وبينك يا رغيف الخبز
سلكاً شائكاً، فك ارتباط، "خط بارليف" جديد

ويجيءُ وجهُك كلَ يوم في العشيةْ
وأشم عطر القمح ينضح ملءَ طلعتك البهيةْ
فأرى البيادر والحقول تموج فيكَ
أرى مواكبَ زارعين وحاصدين
وزنودِ كلِّ المتعبين
وعيونَ أطفالٍ تلوِّحها شموس الصيف
أنهاراً من العرق الحزينْ
وأرى تواريخي القديمةْ
وجيوشَ هولاكو وبابَ الدولة العالي
و"اللنبي" أرى الوطنَ "الغنيمةْ"
وأرى دمَ القدس المباحَ،
أرى الهزيمةْ

مولاي ...
يا قمراً ربيعياً فَتِيّا
أنا من دمي لوَّنْتُ وجهك
صغتُه أملاً شهيّا
ساهرت جرحك في الليالي السود حتى كان إشراقاً بهيا
هذا صليبك يا رغيفُ حملتُه وصعدتُ جلجلتي رضيّا
والصالبون تمايلوا طرباً، تباكوا، ثم سمّوني نبيا

حسناً ...
واقسمُ بالدم الممتدِ جسراً بين قلبي والتواريخِ القديمةْ
بزنود كلِ المتعبين
بعيون كلِ الظامئين إلى الحياةِ
الصانعينْ
مجدَ الحياةْ
قسماً بجرحك يا بلادي
سوف يندحرُ الطغاةْ
ويطلُّ قرص الشمس من وجه الرغيفِ
يضيء فجر الكادحينْ

التسميات: , , ,

الأحد، 20 مارس 2011

الفارس

                                                        1974 
إلى أبو علي حلاوي

تعبت حدقات الليل
تكسَّر جفن الليل
ونام نواطير الغابات ...
وتلوّت أضلاع جليل الرَّب
يجرحها الحزن
ويأكل وجنتها في الليل
صرير الدبابات.

ارتحل الحرس الملكي
لم يبق سوى عينيكَ تجوبان الفلوات
لم يبق سوى قلبكَ منتشراً فوق بيوت القرية
يحرس نافذةً
يملأ بالحذرِ الساحات

يغفو أطفالَكَ
لا يحضن صدرك وجه جلال
لا تمسح كفك وجنة معن
صدرك يحتضن البارود
وكفك تختزن الطلقات

نامت كل عيون الناس،
وعينك ساهرة يملأها الفجر
يغمرها وعد صباح الخير
تَراقَصَ في الطرقات

وكفركلا حلم على جفنيك
أخضر مثل لون البعث، أحمر كالغضب
وكفركلا بوابة العشق الفدائي المعمّد باللهب
وكفركلا حسناؤك البدوية الإيماء
خضّب وجهها خفر، فيا لجمال زينات العرب
وكفركلا انتظرتك
تحلم بالغنائم والبشائر

يهدر صوتك في أرحام بنادقنا
يضحك وجهك في عتمات ليالينا
تنبت في جرحك غابات الفرح البعثي
الآتي من وهج الصحراء و عطر النخل
تطلع من بين شقوق أناملك المخضّرة
رايات البعث الخفاقة
ينبجس الأحمر
يمرغ موسم زيتون ٍ أخضر ...
يتدفّق أبيض مثل قلوب الأطفال العربية.

يا فارسنا
من جرحك أنت
من صوتك أنت
من إغفاءة عينيك الحالمتين
ستعود كفركلا عذراء
وتعطي يدها لك أنت
للبعث الشامخ في ذكراك ...

التسميات: , , , , , , ,

هيفا تنتظر الباص على مفرق تل الزعتر


أسميك في السر
أرسم في الصمت عينيك
عيناك تاريخ كل الدموع
وأكتب قلبي رسالة حب
وأكتب وجهك
أكتب قلبي على وجهك ثم أمزقه

وهيفاء في الدار
في لوحة في الجدار
وهيفا تنحلّ في الكأس
تنساب لحناً لفيروز
ترحل في الخوف خلف الحدائق
وتبقى أصابعها و دخان الحرائق

وأبدءُ من أول السطر هيفا
وأبدءُ من آخر السطر هيفا
وفي كل سطرٍ
وما بين سطرٍ و سطرٍ
وفي نقطة الحبر
في الورق الأبيض مكتوبة بالبياض
آه يا هيفا ...

أسميك الحكايات أم العمرَ
أسميك الأزاهير أم العطرَ
بلا أنت الحكاياتُ الأزاهير
و أنت العمرُ والعطرُ
وأنت الوجع الصارخ فوق الجسر
يا هيفا ... أسميك بلادي
"مرةً واحدة، ودونما حذر ... أجيئك
مغرورقاً بالندم. أنهمر عليك شوقاً حجمه
العمر. شظاياي تسّاقط فوق وجهك المهموم،
وعلى صدرك المترع بالمواعيد.
مرةً واحدة. ودونما خجل ... أقول لكِ:
يا حبيبة السنوات الجميلة الراحلة".

يا جرح الأمس النازف في حنجرتي
يا وتري الضائع
يا صوتي الهارب من بين الكلمات
الآن أسمِّيكِ
الآن أغنِّيكِ
الآن ...

أمتشق الذكرى وأجيئكِ
أحمل حزني وأجيئكِ
أجمع أشياءً راحلةً، وأجيئك
ألقي بين يديك الذكرى والحزن وكل الأشياء.

الآن الآن ..
أشواق العمر اجتمعت في شهقة عينيكِ
اشتبكت في أحزان الشعر الملقى منذ صباي
على كتفيكِ ...
وعاد الصيف يمرّ دموعاً فوق دروب الضيعة
الأيام تكرّ سريعاً

والحبّ يعرّش في القلب كعلّيقة.
وعيون الفتيات تمرّ على القلب
تنقّره
والخجل العربيّ يعرّش في القلب
يميت عيون الفتيات وأحلام القلبِ ...

وحداءات الزمن الغابر تمطر في قلبي ألحاناً
أحزاناً
ألواناً
 سُوَراً لا يعرفها إلا الله وعرافون من التاريخ
أفتّش عنهم
أعرفهم ... لكنيَ لا ألقاهم ...

في الزمن الغابر كان العرافون يطوفون على الناس
يسمّون الأشياءَ بأسماء رائعة ٍ...
في الزمن الغابر كان الناس يطوفون على العرّافين.
وفي الزمن الغابر ...
في الزمن الـ ...

وزمان الورد يمتد على مرمى التوابيت
ويأتي
مترعاً بالشوك والبارود.
والبارود يأتي
مترعاً بالورد ...
آهٍ يا زمان الورد والبارود
كم تنبض بالحبّ وبالموت
وكم تولد في أهداب هيفا؟!

عبرت هيفا حدود المدّ والجزر،
ارتمت ضاحكةً فوق طريق العين
هيفا ...
دخلت في الليل تبكي
أشرقت قنبلةً في شارع "الأسعد"
ماجت بين عطر الورد والبارود
وانحلّت على الجسر دموعا ...

كانت هيفا تنتظر الباص على مفرق تل الزعتر
يخفق صدر هواها بالأحلام
ويمتدّ هواها
من كحلة عينيها
حتى أول جرحٍ في عيني يافا ...
كانت هيفا تنتظر الباص. ولا تعلم
أن الدرب الفاصل بينهما
أطول من عمر هواها ...

كانت بيروت على الشرفات مواعيدا
وهوىً مكتظا ً بالورد
هوىً يتهيّأ للرحلة خلف الورد
وينشرُ للصيف ضفائرَه
كانت هيفا تنتظر الباص
وتحلم بالصيف،
وتضحكُ ...
لمّا اشتعلت كلّ الشرفات

هيفا تسقط من شرفات الوردِ
وهيفا تطلعُ من وردِ الشرفات
هيفا تضحكُ ...
هيفا تبكي.
تضحكُ ... تبكي ...
تضحكُ ...
يشتعلُ الوردُ
 وتشتعلُ الشرفاتُ
وهيفا ...
تنتظر الباص على مفرق تلّ الزعتر

تروح السنونو ...
تجيء السنونو ...
وقلبيَ شبّاكُ همٍّ عتيق.
إلى أين تعبر يا غيم؟
والريح باب على الموت،
و عينا حبيبي سراجان في الليل ...
في الصيف ينطفئ الليل،
تغدو الحكايا بلا أجنحةْ ...

وفي الصيف يمتدّ حتى الضلوع الصباحُ
وتمتدّ حتى الدموع الجراحُ ...
ولا يلد الظلّ غير النعاس،
ولا يشتعلْ
سوى حزن هيفا.
ولا يرتحلْ
سوى قلب هيفا.
وتغدو الحكايا بلا أجنحهْ ...

وفي الصيف تنكر أعشاشها الطيرُ
تبكي الحقول مواعيدها
يصير التراب بلا رائحهْ.
إلى أين تعبر يا غيم؟
يافا ارتحال السواقي إلى البحر،
يافا الحكايات،
يافا دموع الحكايات،
يافا الليالي المليئات بالهمس والأضرحهْ ...

إلى أين تعبر يا غيم؟
كل السواقي إلى البحر ترتدُّ
والبحر يحضن يافا ...

أناديكِ ملءَ الدروب التي انحلّ جسمي
عليها تراباً.
أُناديك ملءَ الحقول التي أنبتت لون وجهي.
أردّكِ لي
من زمان الحكاياتِ،
من وحشة الخوف والذكرياتْ.
أُعيدك وجهاً بلون الطفولة والأغنياتْ.

ألمّكِ من بين أنقاضِ وجهي،
وكلّ الوجوه التي غرّبتني.
وكل الدروب التي بعثرتني ...
أعيدك لي.
أُعانق خصركِ،
أُجدِّل شعركِ،

ألقي زماني على صدرك الشتويّ،
أقول: ابتدئ يا زماني ...
أعيدكِ لي.
صيفيَ القمريَّ، وأسطورتي،
ودمعة عشقٍ تسافر فيك وتكبر حتى حدود
الفجيعهْ ...

وأنا أنتظرتك في ارتحالي،
فارتحلت وأنت تنتظرين ...
كان الصيف يعبر خلف أدمُعنا،
وتقترب الأصابع من حدود النار ...
كلّ حواجز التفتيش كانت في انتظارك
وانتظاري ...

كان الزمان يدورُ
والسنوات تهرب من أصابعنا
وكنَّا في المكان ندور
أسرى للزمان وللمكان ...

وأنا التقيتك في ارتحال الخوف
بين الورد والبارود،
بين الموت والذكرى ...
تقاطعت الخرائط
فاتحدنا.

 وأنا التقيتك عند خطّ النار
وجهي كان محترقاً.
ووجهك كان محترقاً ...
تبدّلت الخرائط
فاتحدنا.

وأنا التقيتك في التشرّد والتمرّد
في الحواجز والجنائز،
في الخنادق والبنادق ...
في الدم المشحون نفطاً
في الدم المعجون خبزاً
في الدم المصنوع أوسمةً ...
تشابهت الخرائط
فاتحدنا.

وأنا التقيتك كيفما اتجهت خطوط الطول
أو ذهبت خطوط العرض
"يوضاس" هو المصلوب
"والجولان" لا يدري!
تحوّلت الخرائط ...
فاتحدنا.

وأنا التقيتك في التقاطع والتبدّل
في التشابه والتحول.
تلك غربتنا
وعودتنا.
وتلك حكاية الوطن الممزّق في توحّده
الموحّد في تمزّقه!
تمزّقت الخرائط
فاتّحدنا.

درب يافا لولبيّ
مثل أحزانك يا هيفا.
وللزعتر طعم النار
للماء شهيق الدم
والحلم هو الطاعون.
هذا زمن القتل على الحلم ...
وهذا مهر يافا.

                                                                 آب 1977

التسميات: , , , , , , , ,